سيد محمد طنطاوي

313

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة في قلوبهم ويضيق صدورهم عقوبة لهم . . كما قال - تعالى - ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّه يَجْعَلْ صَدْرَه ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ . ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دل عليه النهى ، أي لا تكونوا مثلهم ليجعل اللَّه انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم » « 1 » . والجعل هنا بمعنى التصيير ، وقوله * ( حَسْرَةً ) * مفعول ثان له ، وقوله ، * ( فِي قُلُوبِهِمْ ) * متعلق بيجعل . وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها ، لإرادة التمكن ، والإيذان بعدم الزوال . وقوله * ( واللَّه يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) * رد على قولهم الباطل أثر بيان سوء عاقبته وحض للمؤمنين على الجهاد في سبيل اللَّه وترغيب لهم في العمل الصالح ، أي أن الأرواح كلها بيد اللَّه يقبضها متى شاء ، ويرسلها متى شاء فالقعود في البيوت لا يطيل الآجال كما أن الخروج للجهاد في سبيل اللَّه أو للسعي في طلب الرزق لا ينقصها وما دام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يسارع إلى الجهاد من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، وأن يسعى في الأرض ذات الطول والعرض ليأكل من رزق اللَّه وأن يباشر الأسباب التي شرعها اللَّه بدون عجز أو كسل وليعلم أن اللَّه مطلع على أعمال الناس وأقوالهم وسيجازيهم عليها يوم القيامة بما يستحقون من خير أو شر . ثم رد اللَّه - تعالى - على أولئك الكافرين برد آخر ، فيه تثبيت للمؤمنين ، وترغيب لهم في الجهاد فقال : * ( ولَئِنْ قُتِلْتُمْ ) * أيها المؤمنون وأنتم تجاهدون * ( فِي سَبِيلِ اللَّه أَوْ مُتُّمْ ) * على فراشكم بدون قتل بعد أن أديتم رسالتكم في الحياة على أكمل وجه ، وأطعتم ربكم فيما أمركم به أو نهاكم عنه لنلتم مغفرة من اللَّه - تعالى - لذنوبكم ولظفرتم برحمته الواسعة التي تسعدكم . وقوله * ( خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) * أي خير مما يجمعه الكفرة من متع الدنيا وشهواتها الزائلة بخلاف مغفرة اللَّه ورحمته فإنهما باقيتان ولا كدر معهما ولا تعب ولا قلق . واللام في قوله * ( ولَئِنْ قُتِلْتُمْ ) * . موطئة للقسم ، أي : واللَّه لئن قتلتم في سبيل اللَّه أو متم . وقوله * ( لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّه ورَحْمَةٌ ) * جواب القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه . ثم بين - سبحانه - أن مصير العباد جميعا إليه وحده فقال : * ( ولَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّه تُحْشَرُونَ ) * .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 431 .